مشاهدة النسخة كاملة : كيف نتفع بالقرأن الكريم؟


أبن المنتدي
24-07-2010, 12:57 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

كيف ننتفع بالقرآن الكريم؟

للكاتب : أ.د. ناصر العمر


لقد أثنى الله -عز وجل- على كتابه العزيز وبين حسنه الذاتي في أكثر من آية؛ قال -تعالى-: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} [الأنعام: 92]، وقال: {المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْـزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ} [الرعد: 1]، وقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا} [الكهف: 1]، وقال: {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ} [الجاثية: 20]، وأقر وصف مؤمني الجن له بقولهم: {يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍمُسْتَقِيمٍ} [الأحقاف: 30].

كما بين -عز وجل- في العديد من الآيات ما في القرآن الكريم من النفعوالخير العميم الذي لا يناله إلا من أقبل على هذا الكتاب مؤمنًا مصدقًا،قال -تعالى-: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 52]، وقال: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89].

أما من أعرض عنه ولم يرد الانتفاع به فقد بين حاله بقوله: {وَلَوْجَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُأَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌوَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْعَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} [فصلت: 44]، وبقوله: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: 82].

وانظر إلى قوله -تعالى-: {وَقَالَ الَّذِينَكَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْتَغْلِبُونَ (26) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًاوَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} [فصلت: 26، 27]، وكيف تواصى هؤلاء فيما بينهم بعدم الاستماع له والتشويش عليهوعدم تأمل ما فيه فاستحقوا العذاب الشديد، وانظر إلى قوله -تعالى-: {هَذَابَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203) وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْتُرْحَمُونَ} [الأعراف: 203، 204]، وكيف جعل الرحمة بالقرآنللمؤمنين خاصة، ثم انظر كيف علق تحقق الرحمة بنقيض فعل الأولين أيبالاستماع والإنصات، ثم تأمل كيف فرق بين الاستماع والإنصات، فالاستماع هوعدم الانشغال عنه بغيره أثناء القراءة، والإنصات هو التفكر والتدبر فيمايُقرأ، فإن حقق المؤمن ذلك تحققت الرحمة.

وشبيه بهذا وعد النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «ومااجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلتعليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده» [1].

فإذا كان الإيمان شرطًا للانتفاع بالقرآن فإنه شرط غير كاف، فلا بد أن يضمالمؤمن إلى جانب إيمانه به إقبالًا عليه بالتلاوة والاستماع والتدبروالتفكر والعمل والتحكيم، أما أن يكتفي بأصل الإيمان به ثم يهجره كما هجرأهل الكتاب كتبهم، فأي خير يرجوه العبد من وراء ذلك؟

قال ابن القيم -رحمه الله-: "هجر القرآن أنواع؛ أحدها: هجر سماعه والإيمانبه والإصغاء إليه، والثاني: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه وإنقرأه وآمن به، والثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه،واعتقاد أنه لا يفيد اليقين، وأن أدلته لفظية لا تحصل العلم، والرابع: هجرتدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه، والخامس: هجر الاستشفاءوالتداوي به في جميع أمراض القلب وأدوائها، فيطلب شفاء دائه من غيره ويهجرالتداوي به. وكل هذا داخل في قوله: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان: 30]، وإن كان بعض الهجر أهون من بعض" [2]،وهذا الفهم منه -رحمه الله- دليل تفكر وتدبر، وإلا فإن كثيرًا من الناس لايفهم من الهجر إلا هجر القراءة وحده، وقصر الهجر عليه خطأ.

إن عدم العمل بما في القرآن بتحليل حلاله وتحريم حرامه من الهجر، فهل نحن نعمل بالقرآن في بيوتنا ومدارسنا وتعاملاتنا كلها؟

وإن عدم التحاكم إليه من الهجر، وهناك دول فيها إذاعات للقرآن الكريمتتلوه آناء الليل وأطراف النهار لكنها تُحَكِّم غير القرآن، فهذا من أعظمالهجر، وهو غير هجر العمل وغير القراءة.

وإن من الهجر هجر تدبره، وقد نعى الله على من يقع في ذلك فقال: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24]، ومنه ترك الاستشفاء به، فالذي لا يستشفي بالقرآن يهجره، وليس المقصود الاستشفاء بآيات الرقية فحسب، قال -تعالى-: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 82]، و{مِنَ}هنا بيانية أي كل آية فيها شفاء ورحمة.

إن من أتاه خطاب من معظَّم عنده عظَّم خطابه لأن فيه كلامه، فلا بد منتعظيم كتاب ربنا الذي فيه كلامه الذي لا يدانيه كلام، وهذا من تعظيم الله -عز وجل- وتوقيره الذي أُمِرنا به، كما قال نوح -عليه السلام- لقومه: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} [نوح: 13]، وكما قال -تعالى-: {وَمَاقَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَالْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُوَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر: 67].

وهذا التعظيم مادي ومعنوي، فالمادي بأن يجعل المرء المصحف دومًا في مكاننظيف ولا يضع فوقه شيئاً من غير جنسه، وبألا يكبه على وجهه أو يضعه خلفظهره لسجود تلاوة أو سلام وما أشبه، وألا يدخل به إلى الخلاء ولا يجعل آيةمنه كنغمة جوال، إلى غير ذلك؛ وأما التعظيم المعنوي فبترك الهجر بأنواعهوالإقبال على القرآن الكريم قراءة وتدبرًا وفهمًا وعملًا كما كان من سلفناالصالح -رضي الله عنهم-.

وإذا كان الأمر على ما سبق فإن للانتفاع بالقرآن الكريم علامة لا تتخلف، قال -تعالى-: {إِنَّمَاالْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْوَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىرَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2]، فمن وجد من نفسه تأثرًا،ومن قلبه وجلًا، ووجد زيادة في الإيمان إذا تليت عليه آيات الرحمن فليبشروليؤمل خيرًا، وإن وجد غير ذلك، فليراجع نفسه كي لا يكون القرآن حجة عليه.

وما أجمل كلام الإمام البخاري -رحمه الله- في قوله -تعالى-: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79]، حيث قال: أي لا يذوق نفعه ولا يتأثر به إلا المطهرون من الأرجاس،والمقصود هنا: طهارة القلب، وشرحه ابن حجر بقوله: بمقدار طهارة قلب المؤمنيكون أثر القرآن عليه.

وهذا معنى تدبري بديع وجميل، وهو يعطي تفسيرًا لما نراه من عدم انتفاعكثير من الناس بالقرآن رغم قراءته، فالإناء -وهو القلب- ليس خالصًا ولامطهرًا ولا مهيأ لقراءة القرآن، فاستحضر هذا المعنى وانظر إذا شئت إلى حالالمصلين خلف الإمام؛ فمنهم من يتفكر ويتدبر، ومنهم من يخضع ويخشع، ومنهممن يبكي، ومنهم من لا يدري ماذا يسمع، ومنهم والعياذ بالله من يضيق صدرهبما يسمع.

نسأل الله -عز وجل- أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المهندس
14-12-2011, 01:27 AM
فقط للاعضاء المسجلين يمكنهم رؤية الروابط

سالى محمد
08-11-2012, 09:34 AM
فقط للاعضاء المسجلين يمكنهم رؤية الروابط